الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

65

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

على مكانتها حتى تكون مرهوبة الجانب مرموقة بعين الاعتبار غير محتاجة إلى من قد يستغل حاجتها فيبتز منافعها ويدخلها تحت نير سلطانه . ولهذا أضاف اللّه تعالى الأموال إلى ضمير المخاطبين في قوله : وَلا تُؤْتُوا السُّفَهاءَ أَمْوالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِياماً [ النساء : 5 ] ولم يقل أموالهم مع أنها أموال السفهاء ، لقوله بعده : فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ [ النساء : 6 ] فأضافها إليهم حين صاروا رشداء . وما منع السفهاء من التصرف في أموالهم إلا خشية التبذير . ولذلك لو تصرف السفيه في شيء من ماله تصرف السداد والصلاح لمضى . وذكر المفعول المطلق تَبْذِيراً بعد وَلا تُبَذِّرْ لتأكيد النهي كأنه قيل : لا تبذر ، لا تبذر ، مع ما في المصدر من استحضار جنس المنهي عنه استحضارا لما تتصور عليه تلك الحقيقة بما فيها من المفاسد . وجملة إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ تعليل للمبالغة في النهي عن التبذير . والتعريف في الْمُبَذِّرِينَ تعريف الجنس ، أي الذين عرفوا بهذه الحقيقة كالتعريف في قوله : هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : 2 ] . والإخوان جمع أخ ، وهو هنا مستعار للملازم غير المفارق لأن ذلك شأن الأخ ، كقولهم : أخو العلم ، أي ملازمه والمتصف به ، وأخو السفر لمن يكثر الأسفار . وقول عدي بن زيد : وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج * لة تجبي إليه والخابور يريد صاحب قصر الحضر ، وهو ملك بلد الحضر المسمى الضيزن بن معاوية القضاعي الملقّب السيطرون . والمعنى : أنهم من أتباع الشياطين وحلفائهم كما يتابع الأخ أخاه . وقد زيد تأكيد ذلك بلفظ كانُوا المفيد أن تلك الأخوة صفة راسخة فيهم ، وكفي بحقيقة الشيطان كراهة في النفوس واستقباحا . ومعنى ذلك : أن التبذير يدعو إليه الشيطان لأنه إما إنفاق في الفساد وإما إسراف يستنزف المال في السفاسف واللذات فيعطل الإنفاق في الخير وكل ذلك يرضي الشيطان ،